البريد الإلكتروني: [email protected]
دوِّن لكي تترك أثراً
شاركنا على:

في غرفة الكتابة

نشر بواسطة : محمد عبد النبي



 

 

اسمها الحريشة، أو أم أربعة وأربعين، واسمها العِلمي centipede أو ما معناه ذات المئة قَدَم، والحقيقة أنَّ عدد أطرافها ما بين 20 إلى 300، وثمَّة حكاية طريفة تُروى عنها، وكيف أنَّ أحد خصومها اللئام، لم أعد أذكر الآن مَن يكون حَضرته من الحشرات أو الزواحف، أخذ يكيد لها ويمتدحها في الظاهر، متسائلًا كيف تستطيع أن تتحرَّك رغم أطرافها العديدة، بهذا القدر مِن الرشاقة والبساطة، ورَجاها أن تشرح لهم تفاصيل هذه العملية الصعبة الدقيقة، فهل تبدأ مثلًا بتحريك الطرف رقم أربعة مِن جهة اليمين، ثم بعد ذلك الطرف رقم 17 مِن جهة اليسار، إلى آخر خطوات وتقنيات عملية السير. وعلى ما يبدو أنَّ السيدة الحريشة ذات المئة طَرف قد تعاملت بجدية مع أسئلته، وحاولت بالفعل أن تفسر كيف تسير حركتها. عندئذٍ تمامًا، وعندما بدأت تُوجه انتباهها ووعيها لكل تلك التفاصيل صارت عاجزة عن الحركة، تداخلت أطرافها وتعثرت ووقعت، وهكذا انتصر الخصوم.

"الكاتب لا بدَّ أن يكون مثل النبتة في مقابل عالِم النباتات، وأنه فعليًّا قد يتعثر ويسقط أو تُشَل حركته تمامًا إذا أولى انتباهه لحركة قدميه"

لا أذكر الآن أين قرأت هذه الحكاية، لكنها غالبًا وَرَدت في سياق الدلالة على مخاطر انتباه الكاتب، ورُبما الفنان عمومًا، إلى آليات وتقنيات عملية الإبداع والخلق، في أثناء عَمله على الأقل. فكأنَّه بذلك سيحاول وصف السَكْرة وهو منتبه وصاحٍ، أو تسجيل إحساس الواعي وهو في غمرة السُّكْر. وغاية ما يستطيعه الكاتب أن يتأمَّل حالة الخلق، ومراحلها وتحوّلاتها، مِن بعيد، مِن الخارج، بوعي المفيق، وشكوكه كذلك.

يتفق البعض مع هذه الفكرة، مؤكدًا أنَّ الكاتب لا بدَّ أن يكون مثل النبتة في مقابل عالِم النباتات، وأنه فعليًّا قد يتعثر ويسقط أو تُشَل حركته تمامًا إذا أولى انتباهه لحركة قدميه. البعض الآخر، في المقابل، يؤكد أهمية وضرورة وَعي الكاتب بأسرار حرفته؛ لأن الخلق في الكتابة ليس مجرد حركة آلية عفوية مثل حركة المشي، حتَّى يمكن له أن يمارسها بلا انتباه أو بلا قدرٍ معقول مِن الحضور.

إذا سُئلتُ "كيف أكتب؟"، هكذا مباشرةً، فلا أظن أنني قد يكون عندي جواب واضح وشافٍ بأي درجة، ربما لأنني لا أعرف حقًّا دقائق وخفايا تلك العملية المُلغزة، خصوصًا بينما أكون في غمرتها، بينما أكون أَسيرَها، لكن حتَّى عندما أرغب في تأملها مِن بعيد، من الخارج، كما أفعل الآن، فلن يكون ذلك إلَّا عبرها، فلا أظن أن هناك وسيلة يمكنها أن تتأمَّل فعل الكتابة خيرًا من ذاته، وفي هذا ما فيه مِن مزالق طريفة.

لعلَّ أصحاب كلا الرأيين السابقين على حق، أو كلٌّ على حق بدرجةٍ ما، في سياقٍ ما. فعلى الكاتب بالفعل أن ينسى نفسه وأن ينتبه لها، أن يُخفي صنعة يديه ويتقن أدق حركاتها. باختصار، على الكاتب أن ينقسمَ على نفسه، بل أن يتعدد ويتنوَّع، لكي يبلغ تلك الحالة النادرة من التوازن المرهف. عليه أن يكون عبد الله البري المنتظر رزقه على شاطئ البحر وعبد الله البحري الذي يغوص ليخرج بالكنوز الغارقة، أن يكون دكتور جيكل الطيب ومستر هايد الشرير، عليه أن يكون هو السكران والمفيق، الحالم والحُلم والمحلوم به، معًا وفي نفس الحين، مهما بدا هذا طموحًا مستحيلًا.

*

"على الكاتب أن ينقسمَ على نفسه، بل أن يتعدد ويتنوَّع، لكي يبلغ تلك الحالة النادرة من التوازن المرهف"

لا بديل للكاتب المُخلص عن اكتساب معرفة بفنة، وتنمية حساسيته الخاصة به تجاه تقنيات وحيل وألاعيب الكتابة. هذه مسألة بديهية، مَهما احتجَّ ضدها المتعصبون للموهبة والسليقة والفِطرة. مِن ناحية أخرى، فإنَّ تلك المعرفة النظرية، مَهما امتدت وتطاولت، لن تُغني الكاتب شيئًا، عند غياب شرارة الجنون الأولى ولوعة السؤال ونيران التَّجربة الموقدة.

وبالرغم مِن ذلك، ليس مِن المُستحسَن أن يبقى ذلك الوعي بالحِيل والحِرفة حاضرًا يقظًا في سياق عملية الكتابة نفسها، أو في مراحلها الأولى على الأقل، تلك التي يغلب عليها طابع الشرود والاندفاع مع الخيال، وتأمُّل الفكرة النابتة وتقليبها على جميع الوجوه المُحتَملة، ثم وَضع بعض المادة الأولية على الصفحات، سريعًا، كيفما اتفق، كتابةً حُرَّة بلا تماسك أو انسجام، لكنها تنطوي عل البذور اللازمة لغَرس البستان كاملًا. بل قد يُمثّل الوعي الحاد بالحرفة، في بعض الأحيان، عقبةً تسدّ الأبواب أمامَ شَطح الحُلم وحُريته، وهاجسًا يُرجف اليد المبدعة ترددًا وتهيبًا.

أدركُ الآن أنَّ هذا التصوّر قد يصدق بالأخص على فن الرواية، أكثر ممَّا يصح مع القصة القصيرة التي لا تتجاوز بضع صفحات ورغم ذلك تصيبنا بالدوار اللذيذ، أو القصيدة القادرة في سطور قليلة على أن تفتحَ العالَم على اللا نهاية. لعلَّ النصوص محدودة المساحة تبدأ سيرورتها وتنتهي مع هذه المرحلة الأولية من التدفق العارم، إذ تومض الفكرة في أغلب الأحيان مُلتبسة بالشكل والنبرة ككل واحد مكتمل، جاهز لأن يُولَد وأن يعيش حياته. وفي المقابل، كلَّما امتدت مساحة النص، وتعددت خيوط الحكاية وجوانبها ومساراتها وشخصياتها، إلى آخر هموم السرد الممتد، ازدادت الحاجة إلى ألاعيب التشكيل وهندسة البناء ومكر التتابع الزمني، إلى آخر حلول السرد الممتد.

هذا معَ الإقرار بأن جميع أوجه المعرفة بالحرفة والخبرات السابقة والكلام النظري قد لا يُجدي نَفعًا إذا ارتادَ الروائي أرضًا جديدة غير مسبوقة أو راودته فكرة مجنونة من ناحية الموضوع والعالَم أو الشَكل والبنية، فعندئذٍ يكون الحال أقرب إلى تعبير الكاتب الياباني ريونوسكيه أكوتاغاوا، في مقاله قواعد كتابة الرواية العَشر، بترجمة ميسرة عفيفي: (مَن يريدُ أن يكون روائيًّا، لا يستطيع أن يأمل في سلامٍ أو أمانٍ طوال حياته كلها، مِثل سائقٍ يقود سيارة في طرقات المدينة فجأة بدون رُخصة ولا تعليم).

*

"في غرفة العنكبوت، حاولتُ أن أكونَ هذا البهلوان الذي يسير على أكثر مِن حَبل"

معَ تجربتي الروائية الثانية، في غرفة العنكبوت، حاولتُ أن أكونَ هذا البهلوان الذي يسير على أكثر مِن حَبل، أو على الأقل أن ألعبَ الدَّورين المُشار إليهما سابقًا. اعتمدتُ بالطبع في البداية على آلية الكتابة المنداحة والمنطلقة في حريةٍ مِن أي قيد أو شرط أو تصوّر مسبق، بغية اكتشاف ملامح عالمي وشخصياتي الرئيسية، عَمليًّا وعبر لعبة الكتابة نفسها وليس في صورٍ شبحية تومض وتنطفئ في مُخيلتي.

مع كثيرٍ من الروائيين، على ما أحسب، تكون هذه المرحلة الأولى من الكتابة العفوية هي حَجر الأساس الذي قد يشيد فوقه عالَم الرواية بكامله، سواءً تمَّت تلك المرحلة في صمت، أي في داخل عقل المبدع، لأيام أو شهور أو سنوات، أو على الورق والدفاتر، بتخطيطات ومسودات ورسوم وخرائط أقرب إلى شَبكات لا نهائية مخيفة. أميلُ للطريقة الثانية لأنَّ أضعف حِبر، كما قال كونفوشيوس على ما أذكر، أبقى من أقوى ذاكرة، ولأنَّ مجرد تحريك اليد على السطور قد يحمل مفاجآت لا تنتهي.

بعد ذلك أنقسم اثنين عَمليًّا، فأضع عينًا على الشكل النهائي، وكيف قد يبدو من بَعيدٍ للغاية، وعينًا على أصغر الجزئيات، وكيف قد تبدو من قريبٍ للغاية. أترك قدمًا في مساحة الكتابة الحرة، وأخطو بالأخرى نحو عملية التخطيط والهندسة والتصوُّر الكُلي للعمل، وعلى كلا الجانبين أن يغذي صاحبه، أو يرشد حركته، أو يتفلّت منه حتَّى متمردًا عاصيًا، كله جائز، المهم أن تتولَّد بينهما علاقة أخذ وعطاء، بحيث يتغيَّر المخطط العام مرة بعد أخرى، وفق ما تمليه اكتشافات الكتابة العفوية، كما أن صفحات كثيرة من المواد الخام الأولية يتم الاستغناء عنها في مراحل متقدِّمة من العمل على النص، باعتبارها زوائد قد تهدد طموح السلاسة والرشاقة والكثافة.

إجمالًا، أشعرُ أنَّ على الروائي أن يتحلى، إزاء عمله، بدرجة عالية للغاية مِن المرونة ومِن التواضع. المرونة حتَّى يدرك ما الذي يحتاج إليه هذا العمل تحديدًا، بصرف النظر عن أي قواعد مسبقة حول الخطأ والصواب أو القبيح والجميل وما تقوله التقاليد والمناهج النقدية. والتواضع حتَّى يستطيع أن يرى مشكلات عمله ونقاط ضعفه، لا سِيما في البدايات، بينما لا يزال النَّص عجينًا طَيِّعًا بين يديه، أي عندما لا يَشقُّ عليه أن يعدّل ويحذف ويضيف ويلصق ويقص ويشكِّل ويعيد التشكيل ما طاب له مرة بعد مرة، أي قبل أن تدخل طَبخته إلى الفُرن وتخرج ساخنة وتُوضع أمامَ أعين الآكلين الجائعة وعلى الألسنة الذوَّاقة، القادرة على التقاط أهون ارتباك في مَزيج النكهات.

*

لضرورات نقدية أو تعليمية، نستطيع بالطبع أن نفصل الجوانب المختلفة لعملية الكتابة السردية، أو مكوناتها الأساسية على الأقل، وأن نتناولها بالشرح والتحليل والأمثلة العملية؛ جوانب من قبيل الوصف وعناصر المشهد أو الحوار أو المناجاة الذاتية أو الحبكة، إلى آخر ذلك. غير أنَّ تلك الجوانب والمكونات من المستحيل عَمليًّا فصلها بعضها عن بعض في أثناء عملية الخلق السردي، فهي في الغالب تُولد كُلًّا واحدًا متضامًا متماسكًا لا سبيل إلى تفكيكه وفرزه إلَّا عُنوةً أو نظريًّا فقط. قد نستعيد مثال أم أربعة وأربعين، فلا يقول الروائي لنفسه إنني أحرك القدم رقم خمسة على اليمين أولًا ثم القدم رقم سبعة عشر على اليسار، ولا يقول لنفسه هذا الموضع مناسب لحوار قصير بين الشخصيات أو تلك هي اللحظة المناسبة إذنْ لوصف الجو العام، فلو حدثَ هذا لكانت – في ظني – إشارة على وجود خطأ ما في طبيعة اللُّعبة، بمعنى أنه هنا يركّب العَمل قًسرًا، ولا يترك له الفرصة لينمو نموًّا طبيعيًّا، فكأنه يصطنع مخلوقًا من مواد وعناصر غير عُضوية ولا متجانسة، مخلوقًا قد تكون له هيئة الكائنات الحية الأخرى في الظاهر، لكنه لن يكون واحدًا منها أبدًا، لن يتنفس ويتحرك وينمو ويتكاثر في أعين القارئين وعقولهم.

لا ينفي هذا أنَّ مثل تلك الاعتبارات؛ من قبيل موضع الحوار أو الوصف أو مزج العناصر المختلفة ببعضها في سبيكة واحدة، لا بدَّ من وزنها وتقييمها خلال مراحل التحرير النهائية، هنا يكون لدينا بالفعل كائن حي، ولا ينقص غير لمسات الزينة النهائية، شيء مثل تكحيل العينين أو تصفيف الشَّعر، شيء مثل تنعيم الحواف الحادة وصقل السطح العام للنص. 

*

"مسيرة كتابة أي رواية كأنها رحلة قطار منتظمة، ذات محطات واضحة ومسافات محددة، ذات مسار معروف ومنطقي ومتوقَّع"

قد تبدو مسيرة كتابة أي رواية، من بعيد وفي الظاهر، كأنها رحلة قطار منتظمة، ذات محطات واضحة ومسافات محددة، ذات مسار معروف ومنطقي ومتوقَّع، إذ يتحرَّك القطار من محطة الانطلاق، أي مِن شرارة الفكرة الأولى مثلًا، ويواصل سَيره إلى أن يبلغ محطة الوصول النهائية، وهي العمل المنشور بكل تأكيد. غير أن الكتابة ليست قطارات سكة حديد، لا توجد هُنا خطوط مستقيمة، إلَّا فيما ندر، بقدر ما نجد دوائر متداخلة تشكّل رسومًا مَتاهية مُدوّخة، لا يكاد يعرف الكاتب مدخَلها من مخرجها. 

كما أنَّ ما بين نقطتي الانطلاق والوصول، تظل أغلب المحطات مجهولة وغامضة، لا نكاد نعرف أكثر من لافتات وعناوين رئيسية، بلا ملامح أو تفاصيل. نقول، مثلًا: "أنا الآن أعمل على المسودة الثانية"، أو "أحاول الآن أن أصل إلى الترتيب النهائي للفصول"، "أضع اللمسات التحريرية الأخيرة". غيرَ أنَّ معنى هذا عَمليًا هو أنَّ الرحلة لا تزال متواصلة، وأن الدوائر قد تعود للالتفاف حول نفسها، في أي لحظة، لتبدأ دورة صغيرة أخرى.

لعلَّ ما يطفو على السطح من رحلة كتابة روايةٍ ما ليس إلَّا نسبة ضئيلة للغاية من مسارات متداخلة ومعقدة، يتم بعضها في داخل الروائي نفسه، وليس على الورق بالمرَّة. انعطافات تُغوي النفس، وهواجس تومض في العقل، وخطوات تتراجع تارةً وتتقدم أخرى وتراوح في موضعها كثيرًا، حتَّى لتبدو أقرب إلى رقصة مِن نوعٍ غريب، وليس رحلة منتظمة الإيقاع والخطوات. 

*

هي ليست رحلة واحدة مع ذلك، بل رحلاتٌ عديدة تتوالى أو تتقاطع وتتداخل. هناك رحلة للفكرة في صيغتها المبدئية، ومحطات تطويرها وتغذيتها بالتفاصيل والألوان والأبعاد، إلى حين الاستقرار على تصوُّر شِبه نهائي لها. ورحلةٌ أخرى تبدأ مع الشروع في كتابة النص نفسه، واكتشاف لغته الخاصة ونبرته والحِس الجمالي العام المحيط به. ثم رحلة اكتشاف الشخصيات، تاريخها وأسرارها وعلاقاتها وحتَّى ما لا تعلمه هي عن نفسها.

تلك جميعًا مسارات متداخلة للرحلة الأم، وهُنا أيضًا يكون من السهل نظريًّا فصل إحداها عن الأخرى، رغمَ أنَّها تعمل معًا، قد تتزامن وقد تتكاتف وقد تتناوب الظهور والاختفاء، في وعي الروائي وفي لا وعيه بالأخص. وثمَّة رحلاتٌ أخرى، مُضمرة وخفية، أقرب إلى السرية والغموض، قد لا يعرف الكاتب نفسه شيئًا عن طبيعتها وكيميائها الخاصة، وإن كانت تعتمل في الداخل، بلا انقطاع، مثل مَعمل تحت الأرض لإنتاج الرموز والصُّور والعلاقات، مصنع للأحلام إن شئت، يسكننا ونسكنُ إليه.

*

إذا حاولت الابتعاد قليلًا عِن الحِس النظري أو التعميمي في الجزء السابق، أو أن أضيّق عدسة السؤال ولو قليلًا، سؤال كيف أكتب، أو سؤال رحلة الكتابة ومحطاتها، لاخترتُ جانبًا واحدًا فقط من جوانب رحلة كتابة رواية في غرفة العنكبوت، وهو علاقتها بأحداث واقعية ثابتة، واعتماد جزء كبير من أحداثها على دعوى قضائية جرت وقائعها في القاهرة عام 2001، واشتهرت إعلاميًّا باسم قضية الكوين بوت أو مركب الملكة ناريمان، وعُرفت في الإعلام الغربي بقضية القاهرة 52، بسبب القبض على نحو هذا العدد من الرجال، أغلبهم من ذلك الملهى الليلي العائم على النيل، وآخرين من أماكن عامة متفرقة أو من داخل بيوتهم، وتوجيه اتهامات جسيمة لهم، مثل ممارسة الفجور وازدراء الأديان.

كان عليَّ أن أؤدي واجباتي المنزلية أولًا، بمجرد أن قررت استلهام هذه القضية، أي إتمام مرحلة البحث وجمع المواد اللازمة على أتم ما يكون قبل الشروع في التخطيط الأولي. وقد كان بعض الأشخاص من الكرم بحيث وافقوا على التحدّث أو الكتابة لي، خصوصًا مِن بين المشتغلين حقوقيًّا على القضية. الجزء الأعظم من المادة استقيتها من تقرير (الهيومان رايتس ووتش) حول الانتهاكات ضد المثليين في مصر عمومًا، وقضية الكوين بوت خصوصًا، ومواد أخرى متفرقة، مكتوبة أو مرئية، على الانترنت.

لم تكن عملية البحث هذه أكثر مِن شَحْذ مبدئي، تمارين إحماء، استدعاء عالَم الرواية ككل. وقد وضعتُ ثمارها جانبًا بمجرد أن بدأت أنصت لصوت شخصيتي الرئيسية وراوي الحكاية، هاني محفوظ، على الورق، ولم أرجع إلى المصادر بعد ذلك إلّا للتأكد من معلومة أو الدخول في أجواء لحظةٍ بعينها، مثل مُشاهدة فيديو جلسة النطق بالحكم في القضية على موقع يوتيوب.

مِن ناحية، فالقضية واقعية تمامًا ولكننا لا نعلم شيئًا عمّا دار في نفوس أبطالها/ ضحايها. مِن ناحية أخرى، يأتي الخيال ليملأ الفراغات ويرسم ملامح المتهمين الفردية الخاصة التي حرصوا على إخفائها تحت مناديل بيضاء طوال جلسات المحاكمة. في مثل تلك اللحظات يجري الانتقال من التعميم والأرقام والوقائع الجافة إلى شخصية فرد محدد له حكاية تستحق أن تُروى. فكأنني عثرتُ في أحداث القضية والسجن والمهانة على مُحرّك قوي للأحداث، على نقطة انطلاق لأزمة البطل، تتيح له أن يُسائل كل شيء، خارجه وداخله، عند تتبعه لمسارات حياته وإعادة سرد حكايته كتابةً، بعد أن فقد صوته نتيجة صدمة عصبية تحت ضغوط المحاكمة. كان من الضروري أن يبقى هاني محفوظ أبعد ما يكون عن الرمز أو النموذج أو المعبّر عن حالة عامة، كان من الضروري أن يبقى إنسانًا، بقدر ما يمكن لشخصية خيالية أن تكون بطبيعة الحال. 

*

يقول ماريو بارجاس يوسا، في رسائله إلى روائي ناشئ، إذ يتعرَّض لمسألة الإيهام بالواقع، ما معناه أنَّ (كل تخييل، بحكم تعريفه، مجرد خداع، لا هو واقع ولا هو حقيقة وإن كان عليه أن يوحي بأنه كذلك. وأنَّ كل رواية هي كذبة، تتظاهر بأنها حقيقة. إنها اختلاق، تتوقف قوة إقناعه فقط على الاستخدام الفعَّال، من قِبل الروائي، لتقنيات إيهامية وشعوذات شَبيهة بخدع سَحرة السيرك والمسرح). فكأننا نصير أقدر على نَقل ما يُسمَّى بالحقيقة كُلَّما أتقنا آليات الكذب، وبقدر تمرسنا في شعوذات السَّحرة يمكننا إعادة صُنع الواقع كما نراه أو كما نريده أو كما تصوره شطحات أوهامنا.

"مِن غير لُعبة الإيهام بالواقع، فقد لا يتورَّط الروائي نفسه في عالمه، فضلًا عن قارئه من بعده"

مِن غير لُعبة الإيهام بالواقع هذه، فقد لا يتورَّط الروائي نفسه في عالمه، فضلًا عن قارئه من بعده. جانبٌ مِن لعبة التصديق ينبع من منطقة غامضة في الضمير أو الوعي، منطقة قد يكون معيارها الوحيد أحيانًا هو مدى إيمان الكاتب بما يكتب، مقدار تصديقه لكذبته الخاصة، وهل هذه الحكاية حكايته حقًّا، بالطبع ليس بمعنى أنها تعكس حقائقه الشخصية وسِيرة أيامه، بل حكايته باعتبارها قادرة على أن تعكس أسئلته المُلحة، أوجاعه وهواجسه وأشواقه وطموح روحه. 

طبعًا هناك الجانب الآخر للُّعبة الإيهام هذه؛ الجانب غير الباطني ولا السري، أي جانب الحِرفة والشَّعوذة، ومن بين أوَّل أدواته القدرة على سرقة نيران عالَم اليقظة النهاري وتسريبها إلى مَصنع الأحلام الليلي. تزدادُ عملية السرقة هذه حَرجًا وخطورة كُلَّما اقتربت الرواية من حقائق وأحداث واقعية، موثقة ومؤرَّخة جيدًا. ثمَّة تهديد بالتماهي مع (الحقيقة التاريخية) أيًّا كان المقصود بذلك التعبير، أو خطر الالتصاق التام بالواقع، حدَّ الالتحام به، بغَرض الاحتماء بالحقيقة: "صدقوني، هذا هو الواقع من دون تزييف"، أو حتَّى بغرض حماية الحقيقة: "إنهم يحاولون تشويه الواقع وتزييفه، وعلينا نحن مَهمة كشف الحقيقة كَما عرفناها وعشناها". في الحالتين يشحب التخييل، رغم أنه صاحب البيت والمضيف. يضعف التخييل وقد يمرض ويرقد طريح الفراش، بينما لا ينتبه الزائرون إلى هذا المحتضِر في تلك الغرفة المغلقة، وهم منشغلون عنه بالصخب والضجيج، مستغرقون في بث النشرات الإخبارية، إصدار البيانات السياسية، إعادة كشف وثائق مفرج عنها حديثًا، تقارير لجان تقصِّي الحقائق، تسريبات مقاطع سمعية وبصرية. إنها الوقائع، البراهين، جواهر اليقين المفرد الحق. غير أنَّ تبجُّح كل تلك (الروايات) لا ينفي صلتها الواضحة بالجد الأكبر وأصل الحكاية: التخييل.

*

في كتاب الباحثة شوشانا فيلمان، اللا وعي القضائي، تقول حول علاقة القانون بالفن، وفيما يخص المحاكمات التاريخية الكُبرى مثل محاكمة بعض مجرمي الحرب:

"يُفترض بالمحاكمة أن تكون بحثًا عن الحقيقة، لكنها تقنيًّا بحث عن قرار، وعلى هذا فهي، في جوهرها، لا تلتمسُ الحقيقة وحسب ولكنها تلتمس نهاية: قوة البتّ بقرار. والنص الأدبي، في المقابل، هو بحث عن معنى، وعن تعبير، وعن دلالة بارزة، وعن فهمٍ رمزي".

وردَ المقتبس السابق في كتابٍ كنتُ أعمل على ترجمته، بعد نشر في غرفة العنكبوت بفترة لا بأس بها، وعندما قرأتُه كدتُ أطير من الفَرح؛ لأنَّ الفقرة عبَّرت بوضوحٍ ساطع عن شيء كنتُ أشعر به ولم أعرف كيف أصيغه في أثناء الكتابة وما بعدها، وهو أنني لستُ بصدد إصدار حُكم، أي حُكم، ليس دوري إعادة محاكمة شخصياتي، ولا يجب أن يكون. بل إنَّ ذلك المعنى الذي يُفتش عنه الفن، حتَّى هذا المعنى قد يوجُد وقد لا يوجُد، إذ تكفينا – تكفيني أنا على الأقل – الرحلة، تكفيني الرقصة، يكفيني الأُنس بالآخَر ولو كان متوهَمًا، ولو لزيارةٍ عابرة على صفحة حُلم.  

عدد الكتب :

الاجمالى : ج.م

x

سجل بيانتك الان