البريد الإلكتروني: [email protected]
دوِّن لكي تترك أثراً
شاركنا على:

مجنون سعاد!

نشر بواسطة : بشري عبد المؤمن



 

فى عام 1977 أصدرت دار الهلال كتاباً بعنوان "مجنون سعاد"، وهو عبارة عن مجموعة رسائل كتبها د. زكي مبارك، لحبيبته سعاد، تحت اسم مستعار هو (بديع الزمان)، فى جريدة "الصباح" المصرية التى قدمت تلك الرسائل بهذه الكلمات: "يسر جريدة الصباح أن تقدم لقرائها هذه الرسائل بالتسلسل، وهى تصور أعنف مأساة حب عرفتها مصر فى العصر الحديث".

هكذا وصفت جريدة "الصباح" الرسائل وصورتها كأعنف قصص الحب التى حدثت فى القرن الحديث، والتى أعترف د. زكى مبارك فيما بعد بأنه صاحب هذه الرسائل فقال: "هناك كتاب لم يسبق له مثيل ولا نظير هو مجنون سعاد وهى رسائل أنشأها الدكتور بديع الزمان، أنا ذلك الدكتور وأنا ذلك المجنون وأنا ذلك البديع". وأوضح أن تلك الرسائل كانت ترسل بطريقة سرية إلى صاحب المجلة وأنها "بدأت فى بغداد، والحقيقة أن الموحية لم تكن ليلى البغدادية وإنما كانت ليلى قاهرية رمت سهمها فأصمتنى، وأنا فى بغداد أعتصرت فؤادى وأودعته تلك الرسائل".

مجنون سعاد إذن هو د. زكى مبارك، فيا ترى من هى سعاد؟

يقول زكى مبارك فى ديوانه "ألحان الخلود": مدينة المنصورة هى وطن سعاد التى أوحت رسائل "مجنون سعاد" إلى بديع الزمان، وهى بنية لطيفة ظريفة وصلت بقلبها قلبى.

إذن سعاد ليست من أسيوط كما ورد في الرسائل وإنما من المنصورة، لكن زكى مبارك فى الأغلب فضل تغيير الأمكنة تعمية وحفاظا على سمعتها، وهى -كما تذكر كريمة زكى مبارك- شاعرة وأديبة مصرية كان يسميها "جيمى" واسمها الحقيقي "جميلة" ولها أكثر من ديوان وأكثر من قصة مطبوعة لكن قصتها الخالدة هى قصة زكى مبارك.

يبلغ عدد الرسائل اثنتين وستين رسالة تتفاوت طولا وقصرا، مثلما تتفاوت مضمونا فقد يبدو مرهف الحس، منفتح القرائح، يشكو لأن محبوبته لم ترد على رسالته فيكتب لها: "حدثينى كيف سكت عن رسالتى الأولى؟ هل من الكثير على شاب مثلى أن يتهتك فى الحب؟". وأحيانا أخرى يهدد تلك المحبوبة بالفضيحة بين أبناء بلدتها "أسيوط"، وبلغت به الجرأة أن يفكر في زيارتها فى بيتها، لكنه كان يخشى والدها وأسرتها، ويجدد دفاعه عن نفسه وينفى أنه فتى فاسد.

تتحول لهجة الرسائل بعد الرسالة الحادية عشرة إلى ردود أفعال عنيفة جدا، بعد أن تبين للدكتور زكى مبارك أن محبوبته شهرت به على صفحات الصحف ونشرت رسائله، فخرج عن طوره ونعت محبوبته بأقبح النعوت: "شاء لك اللؤم أن تمطرى أساس الحب الذى حفرناه، لمن تنصبين تلك الحبائل يا رقطاء، يا بنت حواء، يا بنت المرأة التى شهد القرآن الكريم بأنها كانت السبب فى شقاء الإنسانية، ماذا تريدين منى؟".

ويوجه د. زكى مبارك إلى محبوبته فى الرسالة الثانية عشرة قصيدة للشاعر "أحمد ناجى" يحن فيها إلى أسيوط ومن فيها، وتتوالى تلك الرسائل ما بين الإستعطاف والتمرد حتى يقسو عليها فى الرسالة السادسة عشر فينكر أنها ولدت مع الربيع كما تزعم، فالربيع لا يعرف البلادة والحمق والغباء!

وظن البعض أن د. زكى مبارك قد تجاوز حدود العفة حينما كتب فى إحدى الرسائل إلى "سعاد" بواقعية صريحة: "إن جبال الذهب والفضة والعقيق لا تساوي عندى لمحة واحدة من النظر إلى بعض ما يستر ثوبك الشفاف عند اعتراك العواطف فى حومة العتاب، رأيت ما رأيت، وعرفت ما عرفت، رأيت اللون الذى زاول قلبى، وزعزع كيانى، اللون الذى يترقرق فوق جسد سعاد".

ويتعجب د. زكى مبارك في الرسالة الخامسة والأربعين من سيطرة أضعف المخلوقات على أقواها بالحب، ويتهم النساء عامة بضعف العقل فى الرسالة السادسة والأربعين، ويدفعه جنونه إلى زيارة "أسيوط" في عيد شم النسيم، فيتحدث عن ماضى تلك المدينة وعراقتها وروعة النيل فيها، وغربته فى ليل تلك المدينة الساحرة.

أما الرسالة الأخيرة وهى الرسالة (الستين)، فيعترف د. زكى مبارك بأنه في عافية من هواها بعد أن غطى الهوى على بصره وقلبه فيقول: "انتهينا، ومضى كل روح حيث يريد، وغفت عيون كان السهاد شرابها المعسول. انتهينا، وعرف العاشق كيف يستريح من سهر الليل، وعرف المعشوق كيف ينجو من عبث الأراجيف، ولم يبق إلا أن تدرج أشلاء الهوى في مقابر العقوق".

عدد الكتب :

الاجمالى : ج.م

x

سجل بيانتك الان