البريد الإلكتروني: [email protected]
دوِّن لكي تترك أثراً
شاركنا على:

حارس الكتب.. حكايات "عماد العادلي"

نشر بواسطة : بشري عبد المؤمن



يستعيد "عماد العادلي" في كتابه "حكايات حارس الكتب" عدة حكايات عن القراءة يمكن التعامل معها على أنها حكايات شخصية عنه، ويمكن كذلك التعامل معها على أنها حكايات شخصية عن القراءة، حكيات -على حد تعبيره- من فيض الخاطر، ومن خيرات الذاكرة العامرة بالتفاصيل، حكايات تضيف إلى القارئ معرفة وامتاع، وكان "العادلي" موفقا في اختيار دار" دوّن" للنشر والتوزيع لأنها توضع على رأس دور النشر التى ساهمت في جعل الشباب يقرأون.

بطل هذا الكتاب الحقيقي ليس "عماد العادلي" نفسه وإنما ذاكرته التى استطاعت القبض على الحدث برغم مرور السنوات وامساكه من تلابيبه كأنه يحدث في التو واللحظة، قل عنها مذكرات وإن شئت قل متذكرات لكنها فى الحالتين لا تبتعد عن الكتاب ولا تحيد عن القراءة.

بدأ لعادلي" حكاياته من الطفولة كما يحدث فى العادة، حين كان العقل صفحة ناصعة البياض لا يشوبها شئ، في تلك الفترة التى نرضع فيها المقدس مع حليب الأم، حيث بدأ القراءة وتعرف على الكتاب ويرفع صوته عاليا أثناء القراءة كأنه كان يخاطب مؤلف الكتاب!

ثم يتحدث في فصل "بلاعة المعرفة" عن صراع الريف والمدينة داخله، عن تغير الأماكن والشخصيات وصعوبة تغير الطباع، وكأننا -على حد تعبيره- أبينا أن نأتي إلى المدينة إلا وغيطنا معنا! ويعود بنا إلى "الزمن الجميل" الذي يروق للبعض تصديره كلما تحدثوا عن طفولتهم، حين كانت "الأبلة فضيلة" تصاحب -من داخل الراديوـ عملية الإيقاظ العسر للذهاب إلى المدرسة، وبرنامج "مسرح المنوعات" لـ"علي فايق زغلول" الذى يبدأ بموسيقى زاعقة، ثم صوت رجل وإمرأة يتبادلان الحديث، وبرنامج الرعب المخيف "أغرب القضايا" وهو عبارة عن تمثيلية يختار صناعها بعض القضايا الجنائية الحقيقية ويعيدون تجسيد أحداثها، وتحدث الكاتب عن علاقة بالتليفزيون فى ذلك الوقت، تلك العلاقة التى لخصها فى المثل الشعبي القائل "عم عبد الله" مع زوجته بأغلق في وجههم باب المتعة والتسلية، وهكذا لم يبقى من الراديو سوى الذكرى ولم يعد التليفزيون ذلك الساحر الكبير الذى نلتف حوله!

وتحدث الكاتب عن حكايات عديدة له منها: كتاب الشيخ "عبد المرضي" وحلم النجومية المبكر ومشواره الطويل مع التعليم والفترة التى كان فيها سلفي الهوى وعن تلك الصدفة العجيبة التى جمعت بينه وبين مكتبات "ألف"، أما أمتع الحكايات فقد جاءت في آخر الكتاب مع مجموعة مهمة من كتابنا الذين نحبهم وتعلقنا بهم، وربما جاء حبى لتلك الحكايات أكبر لا لضعف سابقاتها ولكن لعشقي لهؤلاء الكتاب الذين تحدث عنهم الكاتب وعن لقاءاته المتعددة بهم.

أول الكتاب كان "شهبندر الحكائين" الروائى خيري شلبي، يحدثنا الكاتب عن المرات القليلة التى التقى به وينشر حوارا صحفيا معه، وربما سلط الكاتب -ولو بدون قصد- الضوء على غياب الصفحات الأدبية من الصحف أو عدم الإهتمام بها كما كان يحدث منذ زمن.

ثانى الكتاب الذين تحدثهم عنهم "العادلي" وعن لقاءاته الأولى بهم، كان الروائي الكبير "صنع الله إبراهيم" الذي تعرف عليه  "العادلي"  في فترة دراسته للفلسفة في كلية الآداب،  وتحديدا عندما قرأه للمرة الأولى في روايته التى تتكون من كلمة واحدة وهي "ذات"، ظل العادلي مستيقظا طوال الليل حتى انتهى من الرواية التى رآها "فتحت بطن مصر السبعينيات ومصر الثمانينات، وعرت الكثير من الزيف الذي كان منتشرا، تارة تحت غطاء سياسي، وتارة أخرى تحت غطاء ديني، وتارة ثالثة تحت غطاء اجتماعي، من خلال سرد تقريري في كثير من أجزائه، ولكن العجيب في الأمر أن التقريرية كانت ممتعة ومشبعة، بل وملهمة!"، ولمس "العادلي" هذا التباين بين "صنع الله إبراهيم" الروائي أمام جمهوره حيث يجيب بكلمات محدودة تشبه البرقية، وبين "صنع الله إبراهيم" الإنسان في ظل جلسة ودية يشرب الشاي حينها فقط يكون مقبلا على الكلام كحكاء لا يفارقه الحديث!

هذا التباين في رؤية "صنع الله إبراهيم" تكرر أيضا مع "أشرف العشماوى" حيث يملك الرجل قدرة رهيبة على الفصل بين كونه قاضيا يحكم بين الناس، وبين كونه أديبا أو صديقا، وهي قدرة الفصل التى لا تتوفر لمعظم الناس.

ويتوقف الكاتب أمام معادلة دكتور أحمد خالد توفيق الصعبة، هذا الرجل صاحب الكاريزما المدهشة على الرغم من أنه يفتقر لكل مقومات النجاح وفقا للمعايير المعروفة، فهو يقيم في طنطا بعيدا عن مركزية العاصمة، بعيدا عن شلل المثقفين، ولا يحب التعامل مع "غول القرن العشرين" -على حد تعبير الكاتب- الدعائي المسمى بالسوشيال ميديا، ثم إن الرجل عاش ومات موظفا، حيث عمل أستاذا لطب المناطق الحارة بكلية الطب جامعة طنطا، وظل "العادلي" يتسائل عن سر هذه الكاريزما؟ حتى ارتضى لنفسه أو اكتفى بالبحث حين وصل لإجابة: المتعة والتلسية!

ثم يعرج بنا "عماد العادلي" على "صاحب الجلال" الدكتور "جلال أمين" صاحب الأسلوب السقراطي اللطيف الذي "يجعلك تعتقد بأنك فاعل في الحوار، أو أن رأيك سيثقل ميزان الحقائق، وبعد أن تتشجع وتلقى بدلوك في بحر معارف الرجل، ينظر لك منبهرا ويقول: والله ممكن برضه!".

أما آخر الشخصيات التى توقف أمامها "عماد العادلي" في كتابه فهو المخرج المصري الكبير "محمد خان" الذي كان سببا جوهريا في سمنة الشعب المصري بفيلمه "خرج ولم يعد"، بسبب أن التليفزيون كان يتعمد عرضه في عيد الأضحى، كان هذا الفيلم هو بداية علاقة "العادلي" بـ"خان"، ولاحظ العادلي اهتمام خان بالتفاصيل الأنسانيى التى لا تشغل بال الكثيرين من صناع السينما العربية، تعلم "العادلي" من "خان" أن سجية الإنسان الحقيقية هي التى تصنع منه شخصيا عظيما، وأن التصنع لا يصنع كاريزما، وكأن "العادلي" أراد أن يربط -ولو بدون قصد- بين تباين  "صنع الله إبراهيم" و"أشرف العشماوي" وبين الكاريزما المدهشة التى يملكها "أحمد خالد توفيق" و"محمد خان" تلك الكاريزما التى تأتي من منبع آخر، منبع البساطة والمتعة وسجية الإنسان الحقيقية.

عدد الكتب :

الاجمالى : ج.م

x

سجل بيانتك الان