البريد الإلكتروني: [email protected]
دوِّن لكي تترك أثراً
شاركنا على:

"شغف السينما".. عودة د. نبيل فاروق إلى الرحم الأول!

نشر بواسطة : بشري عبد المؤمن



منذ أيام قليلة رحل عن عالمنا الدكتور نبيل فاروق، واحد من القلائل الذين جعلوا الشباب يتصحفون أوراق الكتب ويطالعون أعمدة المقالات في الصحف، منح ومن معه -على رأس من كانوا معه الراحل الدكتور أحمد خالد توفيق- شغف الاطلاع للشباب لكنه عرف شغفا آخر هو "شغف السينما" ذلك الكتاب الذي أصدره مطلع هذا العام عن دار دون للنشر والتوزيع، وفيه يتحدث عن السحر الكامن في السينما وحكايات الأفلام.

في سنوات عمر د. نبيل فاروق الأولى لم يكن هناك فيديو ولا إنترنت ولا أى وسيلة من وسائل التواصل الرقمي، فقط قناتا تلفاز، تبدأن العمل فى منتصف النهار وتنتهيان فى منتصف الليل، ولأنه ابن مدينة طنطا فلم يكن يتمتع بقناة سكان القاهرة أى "القناة الثالثة" التى لا تبث خارج حدود العاصمة.

من هنا كانت متعة الدكتور نبيل فاروق الأولى هى القراءة، تليها متعة "السينما" حيث يعمل والده مديرا ماليا لشركة طنطا المتحدة للسينما والتى كانت تشمل حينها ست دور سينما، منذ ستينيات القرن الماضي وحتى الثمانينيات، ولوظيفة الوالد كان الطفل نبيل فاروق يتمتع بامتيازا خاصا، فيدخل إلى دور السينما الست، في أى وقت وأى حفل والأجمل أنه كان يدخل مجانا!

يبدأ د. نبيل فاروق كتابه بالحديث عن العصر الذهبي للسينما في مصر تحديدا فترة الستينات وما بعدها، فقد كانت السينما مرآة للمجتمع، ترتفع مع ارتفاعه، وتنخفض مع انخفاضه، فقد ارتفعت السينما مع حركة يوليو 1952 وانحدرت مع نكسة 67 أو بالأحرى مع انحدار معنويات العامة، ودخلنا فى موضة أفلام المقاولات.

يذكرنا الدكتور "نبيل فاروق" بعد ذلك بتجربة شديدة الخصوصية والفرادة في حينها وهي مسلسل "رأفت الهجان" حين خرجت المخابرات المصرية العامة من خلف الستار للمرة الأولى منذ نشأتها في عام 1954، وقد خرجت رائعة "صالح مرسي" على سلسلة حلقات أسبوعية في مجلة "المصور" عام 1987م.

يتوقف كذلك دكتور نبيل فاروق عند زمن الفن الجميل الذي دائما ما نحن إليه، ذلك الزمن الذي أطلق عليه "زمن العمالقة"، وعلى رأس هؤلاء العمالقة يأتي "يوسف وهبي" الذي ولد في مدينة الفيوم في منزل يطل على بحر يوسف، ليسافر إلى إيطاليا ويتتلمذ على يد الممثل الإيطالي "كيانتوني" ويعود إلى مصر عام 1912 ليتربع على عرش المسرح والسينما.

ثاني العمالقة، وأبرز منافسي "يوسف وهبي" هو نجيب إلياس ريحانة الشهير بنجيب الريحاني، الممثل المصري الفكاهي، المولود لأصل عراقي، وواحد من أبرز رواد المسرح والسينما في مصر، ومن خلال الريحانى يستعرض د. نبيل فاروق مسيرة عزيز عيد الذي قرر تكوين فرقته المسرحية الخاصة في أواخر 1907م، استقال "عيد" من عمله فى أحد البنوك فقط لكى يتفرغ تماما للتمثيل!

في طفولة د. نبيل فاروق كانت أفلام النجم الراحل فريد شوقي هى الأكثر شعبية في مصر، كان د. نبيل يشاهد أفلام "وحش الشاشة" في يوم عرضها الأول، وانجذب إلى نجومية "ملك الترسو"، وبالرغم من ذلك الانجذاب إلا أن "فاروق" يعترف أن الشخصية التي بهرته بالفعل في أفلام فريد شوقى كانت شخصية خصمه شبه الدائم الفنان المبدع محمود المليجي!

أما عن التليفزيون ذلك الذي رآه د. نبيل فاروق "سينما المنزل"، فعلى الرغم من أن قرار إنشاء التليفزيون المصري قد اتخذ عام 1955، إلا أن المشروع تأجل حتى يوليو 1960 بسبب العدوان الثلاثي، وبعد بدء البث في التليفزيون بأربعة سنوات كاملة ظهر أشهر مسلسل تليفزيونى حينها وهو "الضحية"، وهو الجزء الأول من خماسية "الساقية" للأديب الراحل عبد المنعم الصاوى.

وهكذا غرق الطفل نبيل فاروق طويلا وكثيرا في عالم السينما الساحر، مع شقيقاته، ومع صديق عمره محمد العفيفي الذي عمل بعد ذلك أستاذا للهندسة النووية في هندسة الاسكندرية، شريك هوس السينما كما وصفه د. نبيل، وفي مرحلة الجامعة وما بعدها تعرف "فاروق" على مهوس أخر بالسينما، هو الدكتور محمد حجازى الذي صار بعد سنوات قليلة أستاذا للطب الشرعي.

لم يعشق د. نبيل فاروق شئ أكثر مما عشق القراءة ومن ثم السينما، ذلك الفن الساحر الذي سافر معه "فاروق" عبر عوالم من الخيال، وعبر ملايين الكيلومترات من دول الأرض، وحتى عبر الفضاء، وعلى الرغم من أن هذا المشروع "شغف السينما" لم يدخل في يوم ما ضمن مخططاته الأدبية أبدا، إلا أنه وجد نفسه ينخرط فى الكتابة عنه، عن ذلك العالم الذي كان يمعته ويبهره، ويزيد من ثقافته ومعرفته.. عالم السينما، والمدهش أن ما لم يكن فى مخططه هو ما كتبه فى أخر الرحلة، وتحديدا فى مطلع العام الذي رحل فيه، كأن الرجل شعر بقرب النهاية، أراد أن يودع، فقرر أن يعود الرحم الأول، أو كأنه أحتضن معشوقته الوحيدة قبيل الرحيل، رحم الله د. نبيل فاروق ورحمنا الله مما صارت عليه السينما!  

عدد الكتب :

الاجمالى : ج.م

x

سجل بيانتك الان