البريد الإلكتروني: [email protected]
دوِّن لكي تترك أثراً
شاركنا على:

واسينى الأعرج: الرواية التاريخية أصعب الروايات!

نشر بواسطة : بشري عبد المؤمن



 

جزائرى ولد فى 1954، روائى مرشح لكل الجوائز، يكتب باللغتين العربية والفرنسية، رواياته لا تستقر على شكل واحد وثابت، بل تبحث دائمًا عن سبلها التعبيرية الجديدة والحية بالعمل الجاد على اللغة. فى سنة 1997 اختيرت روايته "حارسة الظلال" ضمن أفضل خمس روايات صدرت بفرنسا، تحصل على جائزة الشيخ زايد فرع الآداب فى عام 2007، وفائز بجائزة كتارا عن روايته "مملكة الفراشة" فى عام 2015.  نغوص معه فى هذا الحوار حول مشروعه الكتابى، فإلى نص الحوار:  

الجزائرى الذى أقام والده لفترة كبيرة فى فرنسا والذى ولد ونشأ فى فترة الإستعمار الفرنسى فى وقت كانت فيه اللغة الفرنسية هى السائدة والطاغية ولم يكن للعربية مكان سوى فى الكتاتيب والمساجد. لماذا إخترت اللغة العربية؟ ألم تشعر أنك ممزق بين هويتين؟

أخى الأكبر لم يتعلم العربية جيدا، لذا فقد أصرت جدتى على تعليمى إياها بشكل جيد، فالوعى الشعبى باللغة والحضارة وعى لا يستهان به، فجدتى كانت تمتلك وعيا فطريا كبيرا، وكنت قريبا للغاية منها، خاصة بعد رحيل أبى، وقد ارتبطت بها كثيرا، وكنت أراها لغة غير مضمونة، لكنها دوما كانت تقول لى إن أردت أن تستمر فعليك أن تتمسك بها، فاعلم أنها ستندثر يوما ما، وكانت دوما تنبهنى إلى أن أفعل ذلك بقناعة تامة، حيث اصطحبتنى للفقيه، وهو عبارة عن مصلى صغير، بجواره قاعة واسعة وكأنها مدرسة، تسمع فيها الأصوات كطنين النحل.

كنت أستيقظ فى الساعة الخامسة صباحا أذهب لتعلم اللغة، بملابس رثة، وفى ظروف فقيرة للغاية، بينما كان أخى يستيقظ فى الثامنة للمدرسة مباشرة.

كانت هناك بعض الطقوس التى تجذبنى، بسبب البرد، مثل احتساء الشاى، وكانت الكتابة بالصلصال الأبيض على اللوح الخشبى، وما زالت هذه التفاصيل تحضرنى روائحها، كالصلصال الأبيض، ورائحة السماط، والقلم الذى نكتب به وكان يصنع من القصب، والنباتات المائية وغيرها، وأصبحت كل هذ الطقوس طقس واحد عام متشابك فى وعيي.

تعلمت كيف أكتب اللغة العربية، وكيف يقرأ وكان يعطينا الفقيه المصحف لنقرأ فيه، وفى هذه اللحظة كنت أقرأ لكن لا أفهم شيئا، وعندما نشكو من أننا لا نفهم شيئا، كان يقول لنا عليكم أن تتعلموا اللغة أولا، ومن لا يقرأ كان يطلب منه العودة إلى بيته.

هناك لحظة فارقة فى حياتى، حيث دخلت إلى الكتاب ذات يوم، حيث أخذ الأولاد كل المصاحف، ولم يتبق غير كتاب واحد مهترئ تركه الصبية، لأننى وصلت متأخرا، فأقنعت نفسى أنه القرآن ولا يهم مدى أناقة النسخة، وعندما عدت إلى البيت وقرأت، شعرت أن علاقتى باللغة تغيرت، أصبحت حسية، وليس فقط عبارة عن كلمات، بعدها سرقت الكتاب، والجدة كانت فخورة عندما ترانى أقرأ هذه النص القرآنى فى بيت الجدة، وهو بيت عربى مفتوح.

وفي يوم من الأيام عاد ابن خالتى من الحدود الجزائرية المغربية، فسألنى عما أقرأ، فأجابته أقرأ القرآن، فطلب منى أن أعطيه الكتاب، وأخذ يسخر منى، لأنه فى النهاية كان كتاب "ألف ليلة وليلة" فى جزئها الأول، إلى اليوم مازلت أشتم رائحة الورقة، طبعة بولاق المصرية القديمة (الطبعة الحجرية)، فلم أصدقه لأن الكتاب في طبعته تلك كانت له الكثير من القداسة بلغته وبرائحته، كما أنه يبدأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، ولم أكن أعرف وقتها أنها طقسا عاديا تبدأ به الكثير من الكتب، وكان عمره وقتها أقل من خمس سنوات.

ما هو سر هذه العلاقة الحميمة مع كتاب المنفى فى باريس "ألف ليلة وليلة"؟ وهل مازلت تتعامل معه على أنه نص قرآنى مقدس؟

أنا أسميه "كتاب الصدفة"، لم أذهب إليه أو أحرص على اقتنائه، فلو وضع أى كتاب آخر مكانه لأخذته، لكن عندما صرت أقرأ فى الكتاب يوميا صار بالنسبة لى مهما، ليس فى المناخ العام، وإنما لأنه كان يحمل لى قصصا ذات طابع حسى، قصصه كانت مغرية حقا لمن هو فى مثل سنى وقتها، به الكثير من المغامرات والنساء، وما إلى ذلك، وتعملت من خلاله أن اللغة العربية قادرة على التعبير عن كل شيء، لكنها تحتاج إلى التحرر الداخلى، ليست مقهورة ولا منغلقة على نفسها، ولكنها منفتحة على العالم.

ومر الزمان وقرأت الجزأين وصار الكتاب هو الأقدس والأهم عندى فى البيت إلى اليوم، جلدته حتى أحافظ عليه، وإلى اليوم عندما أغادر بيتى خصوصا فى فترة الإرهاب أخذت ابنيا والكتاب.

أعرف أنك كثير السفر..عندما تسافر للخارج أى الكتب تصطحب معك؟

زمان كنت أجلب معى كتبى لأنك تلتقى بالزملاء، لكن لابد أن يكون كتابا جديدا، أحد الروايات، أخر مرة قرأت رواية الكاتبة "ريم الأطرش" الكاتبة الفلسطينية الأردنية المهمة جدا، هذا مثلا كتاب كان لابد أن أقرأه فأجلبه معى، لكن لا أجلب معى كتب قديمة، فأنا أعتبر الطائرة مساحة أخرى للتخييل وكأنها مكتبة متنقلة ذهنيا، والكتاب يخفف من وعثاء السفر.

ما الذى أضافه لك السفر خصوصا أننا فى عصر المعلومات والصور؟

الكائن البشرى يغير الأمكنة، فعندما تقرأ أو ترى فيديوهات مثلا فى العالم المعلوماتى فهو شيء جيد، لكن السفر يخرجك من العالم، لترى هذا العالم الحسى الكونى الذي لا يمكن أن يوفره لك العالم الملعوماتى (الإنترنت)، وهو أمر يهدد بفقداننا إنسايتنا، لأننا نصير وقتها نسخا من بعضنا البعض، عندما نجلس جميعا خلف نفس شاشة الكمبيوتر.

نحن ندور فى بلداننا، فلا نرى عالما آخر، أما عندما نسافر إلى بلدان أخرى كالصين أو فرنسا أو غيرها، فإننا نعقد المقارنات، ونخرج ببعض نتائج، وتتساءل لماذا نختلف عنهم فى النظافة أو النظام أو عدم قيام المؤسسات المدنية بدورها فى مجتمعاتنا، مثلما هو الحال هناك، هل ينقصنا الذكاء؟ هل ينقصنا العقل؟ هل تنقصنا طاقة العمل؟ نملك كل ذلك، لكن لا نملك النظام.

فالكرة الأرضية فى دورانها لو تغير بأى قدر طفيف ستحدث كوارث عظمى، فما بالك والوطن العربى خرج عن مداره الطبيعى بالكامل، فأحيانا نستحدث بعض الامور ولا تأتى بفوائدها، كالديمقراطية وغيرها، فليتنا نقلد فى مدارات حايتها كلها، لا فى النتائج فقط.

كيف تخلصت من المشكلة الأكبر التي تواجه كل من يكتب الرواية التاريخة مثل "البيت الأندلسى" أن يتحول العمل الروائى إلى نوع من "التأريخ" الصرف؟ وما هى الحدود التى يجب على الروائى ألا يتخطاها عند إستلهامه من التاريخ؟

من أصعب الروايات فى الكتابة هى كتابة الرواية التاريخية، ومع ذلك يقبل عليها الكثير من الكتاب لأسباب غير مفهومة إلى الأن، وتعود صعوبتها إلى أن المادة التاريخية تحتاج جهدا كبيرا فى تحقيق موثوقيتها، وهذا لن يتم إلا بعد قراءة هذه المادة، وأتساءل هل هو التاريخ الحقيقى فعلا، أم هو ما كتبه المسئول الكبير؟ ففى كل حادثة أجمع بين الروايات، الرسمية منها والغربية والشعبية، حتى أكون منظورا شخصيا خاصا بى، وأستطيع من خلاله أن أقول إننى وصلت إلى الحقيقة التى تساعدنى فى النص دون أن أدعى أنها الحقيقة المطلقة.

فأنت عليك أن تخلق قصتك أنت، وألا يتوارى العمل الروائى خلف القصة التاريخية الثابتة، لأنها بذلك تفقد شرطها الإبداعى، فيجب أن تكون فى دائرة المعلومات، ولكن عليك أن توظفها فى نسقك الإبداعى.

فقضية الهوية على سبيل المثال لا تكتفى فقط بالانتماء للأرض، لأنها تحتوى على بشر آخرين غير منتمين لنفس الجنسية، ولا الانتماء لثقافة، لأن هذه الثقافة متاحة للجميع أيضا، فهناك عناصر دوما مخفية فى كل هوية، وهذا ما يجعلنا نتساءل عن مكونات الهوية الأندلسية، فهى بها الكثير من المكونات غير العربية والإسلامية، فهناك أيضا الميراث اليهودى، فكان المسلمون يسمون (الموريسكيون) ، وكان اليهود يسمون (المورينيون)، وحتى هذه التسمية كانت بها شيء من السخرية، وكان ذلك بعد استيلاء المسيحيين على الأندلس كاملة.

وقد هاجر بعض هؤلاء إلى الجزائر أو المغرب أو غير ذلك، وكان منهم المسلمون واليهود، وكانوا على وئام منذ كانوا فى الأندلس، وكانت تضمهم جميعا الهوية الاندلسية، لأن استبعاد أى عنصر يجعل هذه الهوية أحادية التوجه والوجود، لذلك فإننى عندما كتبت "البيت الأندلسى" لم يكن البطل ذا هوية دينية واضحة.

فى عام 1452 كان الموريسكيون (المسلمون) والمورينيون (اليهود) يطردون من الأندلس، حتى جاء عام 1609، فأصبح الطرد ليس لمن كان مسلما أو يهوديا وإنما كان لمن يحمل فى سلسال أجداده جدا مسلما أو يهوديا، ولازالت جدتى تذكر هذه الحكايات، وإن كانت غير موثقة أو منطقية، وتحكى أنه كان فى مكتبته، وجاءته الخادمة وأخبرته أنهم فى طريقهم للقبض عليه، وأخبرته أن يلقي نفسه فى البحر، وأعطته خشبة، وهذه الحكاية بالطبع غير موثقة، وأضاف ضاحكا: لأن غرناطة ببساطة ليس بها بحر!!

سيدنا "يوشع" هو نبى يهودى ولكن هم يزورونه على أساس أنه مقام لرجل مسلم ويصلون هناك، أنظر إلى تداخل الأديان فى ذلك الزمان، لأن الناس فى وعيها أن ما تبقى لنا هو التراث الإسلامى لكن داخل ذلك التراث هناك عناصر صغيرة تدخل كمكون وتتحرك وتتحول مع الزمن إلى بنية أساسية.

بصفتك منحاز للأثر والتاريخ الأندلسى فى الجزائر.. هل تستطيع الرواية التاريخية قراءة التاريخ قراءة نقدية؟ وما هو الفارق بين التاريخ والموروث؟

الموروث هو سياق عام وليس محدد فى الزمان، ويحتوى على كل عناصر المنتج الثقافى والحضارى، بمعنى أنه تدخل فيه الأشياء الفلكلورية والأغانى والموسيقى وما إلى غير ذلك، أما التاريخ فهو الموجز البشرى فى لحظة من اللحظات التاريخية، ماذا فعل البشر داخل هذه الرقعة؟ الصراعات بين السياسات والأحزاب والشخصيات إلى أخره، الصراع ضد المستعمر.

وللأسف التاريخ إلى اليوم يكتب بشكل رسمى، تاريخ أحادى، حتى تشعر أنه مثلا تاريخ الجزائر يبدأ فى 54 وينتهى فى 62 ولا يوجد شئ لا قبل ولا بعد، بينما تاريخ الجزائر حافل مثل مصر أو أى بلد أخر لكن التاريخ المرسوم فى الكتاب المدرسى هو تاريخ أحادى، فأنت إذا اعتمدت على المادة التاريخية فقط ستكون مخطأ لأنك ستعيد إنتاج نفس التاريخ السلطوى ولن تقدم شيئا جديدا فى المحصلة، لهذا إعادة صياغة التاريخ عن طريق الروايات مهم جدا، مثلا فى كتاب الأمير عدت إلى حوالى 400 كتاب ووثيقة، لمدة خمس سنوات.

لماذا دخلت إلى عالم "مي زيادة"؟

دخلت إلى الرواية وأنا لا أعرف ماذا أفعل، البداية كانت مع جملة مي زيادة "أتمنى أن يأتى بعدى من ينصفنى" ففجرت بداخلى شيئا لا يمكن أن تتخيله، تستنجد مثل الغريق، وجدت نفسى بعد فترة أعمل على هذه الرواية، فبحثت عن مأساة الشخصية الحقيقية، جئت إلى القاهرة وعملت مع بعض المتخصصين والأصدقاء، وذهبت إلى مقبرتها الموجودة فى القاهرة، وحزنت كثيرا فلا يمكن لا أحد أن يعرف أن تلك المقبرة هى مقبرة "مي زيادة" إلا لو أتيت لها خصيصا، وعرفت أنها دخلت لمستشفى أمراض نفسية، ودعيت إلى بيروت وأعطتنى الجامعة منحة إقامة ووجدت وثائق ثمينة منها مثلا محاضرتها الأخيرة التى ألقتها، بعد القطع من سيرتها الذاتية، ورحلت إلى أماكن كثيرة مثل بيتها وغيره ودخلت إلى الرواية.

ماذا عن أبرز عشاق "مي" جبران والعقاد ؟

قضية العقاد قضية أخرى أما بالنسبة لقضية جبران فأنا غير مقتنع بها، لقد قرأت الرسائل وبحثت عن الحب كما نفهمه فلم أجده هى علاقة صداقة، وجبران كان بالنسبة لمي هو نموذجها الأدبى وربما لو التقوا لكانت الحكاية تغيرت.

بعد البحث المطول فى أوراق "مي زيادة".. هل يمكن القول أنك أصبحت واحد من عشقها مثل جبران والعقاد؟

جدا وربما أكثر من هؤلاء جميعا لأنه ليست لدى أغراض جنسية ولا مادية ولا غيره، أنا عاشق لها ومتعاطف معها وأرى أنها نموذجا للظلم الثقافى.

بماذا تهتم أكثر ومن يرهقك أكثر أسلوب السرد أم بناية الحكاية؟

الحكاية مهمّة بالطبع، لكن السرد هو الأهم، والسرد هو ما يوصل الروائى إلى لقارئ، فمهما كانت قصتك رائعة لا بد لها من وسيط سردى رائع أيضاً، حتى يتحقق لك ما تريد من تواصل مع القارئ.

ما الذى تمثله لك القاهرة وأنت تسير فى شوارعها؟

القاهرة شئ خاص، ليست مظهر نراه يوميا، أمشى فى شوارع وأمكنة تذهب بى بعيدا، تتصور أننى عندما أسير فى الشارع أكون ذهنيا فى عام 1920، صحيح أن هذا الشئ غير موجود الآن، لكن أرى أن هذه هى "مي زيادة"، وهذا العقاد، وهذا طه حسين، عالم كامل، فالمدن ليست ما يقترح علينا اليوم، المدن أيضا هى ما لا نراه ونحسه ولديه وجود فى أعماقنا، أنا أحب القاهرة كثيرا ولا أنسى أبدا أن هذه المدينة تحديدا لها عنصر مقاومة رهيب غير مرئى، لديها شئ خاص رغم المشاكل الموجودة فيها.

عدد الكتب :

الاجمالى : ج.م

x

سجل بيانتك الان